القرطبي

386

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أوضح دليل على أن فدية الأذى جائز أن تكون بغير مكة ، وجائز عند مالك في الهدى إذا نحر في الحرم أن يعطاه غير أهل الحرم ، لان البغية في إطعام مساكين المسلمين . قال مالك : ولما جاز الصوم أن يؤتى به بغير الحرم جاز إطعام غير أهل الحرم ، ثم إن قوله تعالى : " فمن كان منكم مريضا " الآية ، أوضح الدلالة على ما قلناه ، فإنه تعالى لما قال : " ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " لم يقل في موضع دون موضع ، فالظاهر أنه حيثما فعل أجزأه . وقال : " أو نسك " فسقى ما يذبح نسكا ، وقد سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك ولم يسمه هديا ، فلا يلزمنا أن نرده قياسا على الهدى ، ولا أن نعتبره بالهدى مع ما جاء في ذلك عن علي . وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر كعبا بالفدية ما كان في الحرم ، فصح أن ذلك كله يكون خارج الحرم ، وقد روي عن الشافعي مثل هذا في وجه بعيد . التاسعة - قوله تعالى : " أو نسك " النسك : جمع نسيكة ، وهي الذبيحة ينسكها العبد لله تعالى . ويجمع أيضا على نسائك . والنسك : العبادة في الأصل ، ومنه قوله تعالى : " وأرنا مناسكنا " ( 1 ) [ البقرة : 128 ] أي متعبداتنا . وقيل : إن أصل النسك في اللغة الغسل ، ومنه نسك ثوبه إذا غسله ، فكأن العابد غسل نفسه من أدران الذنوب بالعبادة . وقيل : النسك سبائك الفضة ، كل سبيكة منها نسيكة ، فكأن العابد خلص نفسه من دنس الآثام وسبكها . قوله تعالى : " فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى " فيه ثلاث عشرة مسألة : الا أولى - قوله تعالى : " فإذا أمنتم " قيل : معناه برأتم من المرض . وقيل : من خوفكم من العدو المحصر ، قاله ابن عباس وقتادة . وهو أشبه باللفظ إلا أن يتخيل الخوف من المرض فيكون الامن منه ، كما تقدم ، والله أعلم . الثانية - قوله تعالى : " فمن تمتع بالعمرة إلى الحج " الآية . اختلف العلماء من المخاطب بهذا ؟ فقال عبد الله بن الزبير وعلقمة وإبراهيم : الآية في المحصرين دون المخلى سبيلهم . وصورة المتمتع عند ابن الزبير : أن يحصر الرجل حتى يفوته الحج ، ثم يصل إلى البيت

--> ( 1 ) راجع ص 127 من هذا الجزء .